السيد نعمة الله الجزائري

249

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

وأتته مستغفرة وحق من روحي بيده لو قتلت كل يوم سبعين نبيا وتبت إلى اللّه لتاب عليك ، وأما ما استدل به على الأول فهو كما ترى . الأمر الرابع : في قبولها للتجزي وعدمه ، ذهب بعض إلى الثاني ويؤيده أن الندم إنما يعد توبة إذا كان لقبحه - والقبح علة مشتركة بين جميع الذنوب - فمن تاب عن ذنب وارتكب غيره كان كاشفا عن كون تلك التوبة عنه لا لقبحه بل لعلة أخرى لا يثاب عليها ، وكذا الآيات الواردة في محبة اللّه تعالى لهم وأن من أحبه اللّه لا يعذبه ، والظاهر من كثير من الأخبار هو الأول لأن الداعي والعارف قد يدعو إلى ترك ذنب ولا يدعو إلى ترك غيره ، وإن أردت تحقيق المقام فاستمع لما يتلى عليك ، فنقول من قال إن التوبة لا يصح تجزيها إن عنى به أن ترك بعض الذنوب لا يفيد أصلا بل وجوده كعدمه فهذا خطأ لأن كثرة الذنوب سبب لكثرة العقاب كما أن قلتها سبب لقلته ، ونقول لمن قال لا يصح إن أردت به أن التوبة عن بعض الذنوب توجب قبولا يوصل إلى النجاة والفوز كان هذا أيضا خطأ فإن الفوز كما عرفت إنما هو بترك الجميع ، ويقال في دليل من قال لا يصح وهو أن التوبة عبارة عن الندم والمعاصي كلها أوجاع وآلام فلا معنى لتوجعه من ألم دون ألم فإن العلة شاملة لهما ولو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من أحد الدنين « 1 » دون الآخر فإن استحال ذلك من حيث أن المعصية في الخمرين واحد وإنما الدنان ظروف فكذلك أعيان المعاصي آلات للمعصية ، والمعصية من حيث مخالفة الأمر واحد ، فيقال على هذا أن التوبة من بعض الذنوب إما أن تكون عن الكباير دون الصغاير أو عن الصغاير دون الكباير أو عن كبيرة دون كبيرة . أما الأول فممكن من جهة علمه بأشدية عذابها كمن جنى على ابن السلطان وعلى دابته فإنه يعلم أن الأول أشد جرما فيخاف منه أكثر وقد كثر التائبون في الأعصار وليس أحد معصوما من الذنوب إلا أهل العصمة عليهم السّلام . وأما الثاني فهو ممكن أيضا لأن لذة نفسه في الكبيرة أشد من خوفه منها وأما الصغاير فليس له لذة نفس فيها فيكون خوفه منها أكثر من لذته بها . وأما الثالث فجائز أيضا لاعتقاده أن بعض الكباير أشد من بعض وأغلظ عند اللّه تعالى .

--> ( 1 ) الدن : الوعاء الذي يشرب فيه الخمر .